الفصل الثاني منهج الإمام القرطبي في دفع التعارض › المبحث الثاني: الجمع بين الآيات من خلال إيراد أقوال السلف › المثال الثالث: المجازاة على السيئات › رأي الباحث
أمَّا آيَة "البقرة" (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فَهي مَنْسُوخَة، للحَدِيث الصَّحِيح (^١) الْمُصَرِّح بِنَسْخِها، ففي الْحَدِيث: لَمَّا نَزَلَتْ على رسول الله ﷺ: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال أبو هريرة: فاشْتَدّ ذلك على أصْحَاب رَسول الله ﷺ، فأَتَوا رسول الله ﷺ ثم بَرَكُوا على الرُّكَب، فَقَالُوا: أيْ رسول الله! كُلِّفْنَا مِنْ الأعْمَال ما نُطِيق: الصَّلاة والصِّيَام والْجِهَاد والصَّدَقة، وقد أُنْزِلَتْ عَليك هَذه الآَية ولا نُطِيقُها. قال رسول الله ﷺ: أتُرِيدُون أن تَقُولُوا كَمَا قال أهْل الكِتَابَين مِنْ قَبْلِكم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)؟ بل قُولوا: سَمِعْنَا وأطَعْنا غُفْرَانَك رَبَّنا وإلَيك الْمَصِير، قَالُوا: سَمِعْنَا وأطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وإلَيك الْمَصِير. فَلَمَّا اقْتَرَأهَا القَوْم ذَلَّتْ بِهَا ألْسِنَتُهم، فأنْزَل الله في إثْرِها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، فَلَمَّا فَعَلُوا ذلك نَسَخَها الله تعالى، فأنْزَل الله عز وجل: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال (^٢): نَعَم. (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا). قال: نَعَم. (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ). قال: نَعَم. (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). قال: نَعَم.
_________
(^١) رواه مسلم (ح ١٢٥) عن أبي هريرة، ورَوى نحوه (ح ١٢٦) عن ابن عباس.
(^٢) القائل: هو الله تبارك وتعالى.
Jilid 1 · hlm. cetak 353
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.