الفصل الثاني منهج الإمام القرطبي في دفع التعارض › المبحث الرابع: منهجه في إيراد الآية وما يتوهم تعارضه معها › المطلب الثاني: الجمع بين الآيات والاكتفاء بالإشارة إلى معنى الآية المقابلة › المثال الأول › رأي الباحث
وأشَار ابن كثير إلى الاخْتِلاف في قِرَاءة (أَمَرْنَا) في آيَة "الإسراء"، ثم ذَكَر الْخِلاف أيضًا في مَعْنَاها، ونَقَل عن ابن جرير مَا قَالَه، وتَعَقَّب قَوله: "وقد يَحْتَمِل أن يَكُون مَعْنَاه: جَعَلْنَاهم أمَرَاء" (^١). بِقَولِه: إنَّمَا يَجِيء هَذا على قِرَاءة مَنْ قَرأ (أمَّرْنا مُتْرَفِيها) (^٢).
فابْنُ كَثير اكْتَفَى بِبَيَان الْمَعْنَى بِاخْتِصَار، دُون الإشَارَة إلى مَا يُتَوهَّم تَعَارُضه في الآيَة مِنْ حَيث الأمْر بالفِسْق في قَوله تَعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا).
مِمَّا قَرَّرَه الأئمَة: أنَّ الله لا يَأمُر بِالفَحْشَاء، اسْتِدْلالًا بِقَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)، وهَذا مَحَلّ اتِّفَاق حَتى عِند غَير أهل الإسلام، فقد قَال هِرَقْل في سُؤَاله لأبي سُفيان عن أحْوال النبي ﷺ: مَاذا يَأمُرُكُم؟ قلت: يَقُول: اعْبُدُوا الله وحْدَه ولا تُشْرِكُوا بِه شَيئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُول آبَاؤكم، ويَأمُرُنا بِالصَّلاة والصِّدْق والعَفَاف والصِّلَة (^٣).
ويَتّفِق العُقَلاء أيضًا على أنَّ دِين الإسْلام لَم يأتِ بشيء يُخَالِف العَقْل، فَقَد أمَر الإسْلام بِكُلّ فَضِيلَة، ونَهَى عن كُلّ رَذِيلَة.
_________
(^١) ابن جرير أورد احتمال هذا القول على قراءة من قرأ بالتخفيف لقول العرب: أمير غير مأمور.
وقد بين القرطبي معنى هذا القول فيما سبق نقله عنه، وقال الراغب في "المفردات" (ص ٣٥): وقيل: أمر القوم: كثروا، وذلك لأن القوم إذا كثروا صاروا ذا أمير من حيث إنهم لا بد لهم من سانس يسوسهم، ولذلك قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم.
(^٢) تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق (٨/ ٤٦٢).
(^٣) رواه البخاري ومسلم، وسبق تخريجه.
Jilid 1 · hlm. cetak 536
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.