الفصل الأول في بيان معتقد أهل السنة ومخالفيهم › المبحث السادس معتقد أهل السنة في الإرادتين، وأقوال المخالفين فيهما والرد عليهم › أولا: معتقد أهل السنة في الإرادتين › صور اجتماع الإرادتين وافتراقهما
[٣] قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وهذه الإرادة تستلزم الأمر.
قال ابن القيِّم: «والصواب: أن الأمر يستلزم الإرادة الدِّينيَّة ولا يستلزم الإرادة الكونيَّة؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا؛ كإيمان مَنْ أمره ولم يوفِّقه للإيمان» (^١).
هاتان الإرادتان قد تجتمعان وقد تفترقان، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، ولذلك أربع صورٍ ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله:
الصورة الأولى: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ كإيمان أبي بكرٍ وسائر المؤمنين، وحصول الطاعات منهم.
الصورة الثانية: ما تعلَّقت به الإرادة الدِّينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفَّارُ والفجَّارُ؛ كإيمان أبي جهلٍ وسائر الكافرين، وما أراده الله من طاعتهم.
الصورة الثالثة: ما تعلَّقت به الإرادة الكونيَّة فقط، وهو ما قدَّره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي الواقعة في الناس، ولولا إرادته لها كونًا لما وقعت.
الصورة الرابعة: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي؛ فإن الله لم يأمر بها ولم يردها شرعًا، كما أنه لم يردها كونًا؛ فلم تقع،
_________
(^١) شفاء العليل (٢/ ٧٦٨).
Jilid 1 · hlm. cetak 78
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.