مقدمة التحقيق › الفصل الأول لمحة موجزة عن الإمام البخاري › ذكر ورعه واحتياطه في جرح الرواة
أَخْبَرَنِي بِعَدَدِ مَا كَانَ فِيْهَا مِنْ بَعْدُ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ارْفُقْ، وَاشْتَغِلْ بِحَدِيثٍ آخَرَ كَيْلَا يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ» (^١).
وَمِنْ وَفَائهِ وَرِقَّةِ عَاطِفَتِهِ وَصِدْقِ أُخُوَّتِهِ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ بنُ أَحْمَدَ بْنِ خَلَفٍ: قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ البُخَارِيِّ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ فِيْهِ نَعْيُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَ، وَاسْتَرْجَعَ، وَجَعَلَ تَسِيْلُ دُمُوْعُهُ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُوْلُ:
إِنْ تَبْقَ تُفْجَعْ بِالأَحِبَّةِ كُلِّهِم … وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لَا أَبَا لَكَ أَفْجَعُ
ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: مَا سَمِعنَاهُ يُنْشِدُ إِلَّا يَجِيْءُ فِي الحَدِيثِ» (^٢).
قَالَ البُخَارِيُّ: «أَرْجُو أَنْ أَلقَى اللهَ وَلَا يُحَاسِبْنِي أَنِّي اغْتَبْتُ أَحَدًا» (^٣).
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الوَرَّاقُ: «سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: مَا اغْتَبْتُ أَحَدًا قَطُّ مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ الغِيبَةَ تَضُرُّ أَهْلَهَا» (^٤).
_________
(^١) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٥٠).
(^٢) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(^٣) «تَارِيخُ بَغْدَادَ» (٢/ ١٣)، وَ«سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٣٩).
(^٤) «سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ» (١٢/ ٤٤٣).
قَالَ الذَّهَبِيُّ: مُعلِّقًا عَلَى كَلَامِ البُخَارِيِّ هَذَا: «قُلْتُ: صَدَقَ رحمه الله وَمَنْ نَظَرَ فَى كَلَامِهِ فِي الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَلِمَ وَرَعَهُ فِي الكَلَامِ فِي النَّاسِ، وَإِنصَافَهُ فِيْمَنْ يُضَعِّفُهُ، فَإِنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَقُوْلُ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، سَكَتُوا عَنْهُ، فِيْهِ نَظَرٌ، وَنَحْوُ هَذَا. وَقَلَّ أَنْ يَقُوْلَ: فُلَانٌ كَذَّابٌ، أَوْ كَانَ يَضَعُ الحَدِيثَ. حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: إِذَا قُلْتُ: فُلَانٌ فِي حَدِيْثِهِ نَظَرٌ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ وَاهٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يُحَاسِبْنِي اللهُ أَنِّي اغْتَبْتُ أَحَدًا، وَهَذَا هُوَ وَاللهِ غَايَةُ الوَرَعِ»
Jilid 1 · hlm. cetak 25
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.