سورة التوبة فيها إحدى وخمسون آية › الآية الحادية والأربعون قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم › مسألة الجهاد ومحاربة الأعداء إنما أصله من عهد موسى
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «ذَهَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَذَهَبَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: تَكَلَّمُوا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَأَوْجِزُوا؛ فَإِنَّ عَلَيْنَا عُيُونًا قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَخَطَبَ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ خُطْبَةً مَا خَطَبَ الْمُرْدُ وَلَا الشِّيبُ مِثْلَهَا قَطُّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ اشْتَرِطْ لِرَبِّك، وَاشْتَرِطْ لِنَفْسِك، وَاشْتَرِطْ لِأَصْحَابِك. قَالَ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مَا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ، وَأَشْتَرِطُ لِأَصْحَابِي الْمُوَاسَاةَ فِي ذَاتِ أَيْدِيكُمْ. قَالُوا: هَذَا لَك، فَمَا لَنَا؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالَ: اُبْسُطْ يَدَك». وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا فَإِنَّ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ السَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ لِلسَّيِّدِ، لَكِنْ إذَا مَلَكَهُ وَعَامَلَهُ فِيمَا جُعِلَ إلَيْهِ وَتَاجَرَهُ بِمَا مَلَّكَهُ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لِلَّهِ، وَالْعِبَادُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِلَّهِ، وَأَمَرَهُمْ بِإِتْلَافِهَا فِي طَاعَتِهِ، وَإِهْلَاكِهَا فِي مَرْضَاتِهِ، وَأَعْطَاهُمْ الْجَنَّةَ عِوَضًا عَنْهَا إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِيهَا.
وَهُوَ عِوَضٌ عَظِيمٌ، لَا يُدَانِيهِ مُعَوَّضٌ وَلَا يُقَاسُ بِهِ؛ وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: " ثَامِنَهُمْ وَاَللَّهِ وَأَغْلَى الثَّمَنَ "، يُرِيدُ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ لَهُمْ فِي حُكْمِ الْمُتَاجَرَةِ، وَلَمْ يَأْتِ الرِّبْحُ عَلَى مِقْدَارِ الشِّرَاءِ؛ بَلْ زَادَ عَلَيْهِ وَأَرْبَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَمَا اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْبَالِغِينَ الْمُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ اشْتَرَى مِنْ الْأَطْفَالِ، فَآلَمَهُمْ وَأَسْقَمَهُمْ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَمَا فِيهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ لِلْبَالِغِينَ، وَالثَّوَابِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْكَافِلَيْنِ فِيمَا يَنَالُهُمْ مِنْ الْهَمِّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ التَّرْبِيَةِ وَالْكَفَالَةِ؛ وَهَذَا بَدِيعٌ فِي بَابِهِ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ؛ فَإِنَّ الْبَالِغَ يَمْشِي إلَى الْقَتْلِ مُخْتَارًا، وَالطِّفْلَ يَنَالُهُ الْأَلَمُ اقْتِسَارًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]: إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَقُلْنَا: إنَّ الْجِهَادَ وَمُحَارَبَةَ الْأَعْدَاءِ إنَّمَا أَصْلُهُ مِنْ عَهْدِ مُوسَى، فَسُبْحَانَ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ.
Jilid 2 · hlm. cetak 589
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.