الحديث الأربعون: مسك الختام شرح حديث إن الله لا ينام › الأدلة على نفي رؤية العباد لربهم في الدنيا
قال القرطبي:
"ومعنى الكلام: أن الله - تعالى - لو كشف عن خلْقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لَما أطاقوا رؤيته وَلَهَلَكُوا؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]
ويفيد أنّ تركيبَ الخلق وضعْفَهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها، فإذا أنشأهم الله- تعالى- للبقاء وقوّاهم حَمَلُوا ذلك". (^١)
فالرؤية عند أهل السنة لا تكون في الدنيا ولا في البَرْزخ، وإنما هي يومَ القيامة بقوةٍ يجعلها الله- جلّ وعلا- في أعيُن المؤمنين.
* وأمّا أدلة عدم وقوع رؤية الله- تعالى- بالبصر في الدنيا:
فمن القرآن:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]
فلو كانت رؤيتهسبحانه وتعالى- ممكِنة لَحَصلتْ لِلكَلِيمِ موسى عليه السلام، وهو الذي اصطفاه الله - تعالى- على الناس برسالاته وبكلامه.
* ومن السنة: عن عَبْد اللهِ بْنِ عُمَرَرضي الله عنهما- أن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قال: «لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُعز وجل- حَتَّى يَمُوتَ». (^٢)
* والإجماع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاقِ سلف الأمة أنه لا يرى اللهَ أحدٌ في الدنيا بِعَينه". (^٣)
_________
(^١) المُفْهِمُ (١/ ٤١١).
(^٢) أخرجه مسلم (١٦٩).
(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥١٠). وهذا إجماعٌ نقله أيضًا الدارميُّ وابنُ أبي العز، باستثناء النزاع الذي وقع في رؤية النبيﷺ- لربه ليلةَ المعراج، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن هذا الخلاف بين الصحابةرضي الله عنهم- في هذا الباب ليس خلافًا حقيقيًّا، بل هو من باب اختلاف عبارات النقل عنهم، على أنّه لم يصرِّح أحد من الصحابةرضي الله عنهم- بأنّ رؤية النبيﷺ- لربه ليلة المعراج كانت رؤية بصرية.
وأمّا من صرح بذلك من أهل العلم فهذا بناء منهم على ما فهِموه من أقوال الصحابةرضي الله عنهم- التي ورد فيها إطلاق الرؤية.
ولمراجعة المسألة بأقوالها انظرْ أحاديثُ يُوهِمُ ظاهرُها التعارُضَ (ص/ ٣٤٣).
Jilid 2 · hlm. cetak 1174
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.