*فالقاعدة هنا: " ليس كل ما يُعرف يُقال "
وهى قاعدة مستنبطة من عدة أدلة شرعية:
منها حديث معاذرضي الله عنه- لما استأذن النبيَّ -ﷺ - أن يحدِّث بحديث فضل الشهادتين، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟
قَالَ ﷺ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» (^١)
وقد بوَّب البخاري لهذا الحديث بقوله: باب " مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا"، ثم ذكر تحته أيضًا قول عَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) (^٢)
ثم ذكربعده حديث معاذرضي الله عنه- السابق، وإنما لم يذكره معاذ إلا عند موته؛ لأن النبيﷺ- لم يأذن له في ذلك؛ لمَّا خشي من تنزيله غير منزلته، وَعَلَّمَهُ معاذًا لأنه من أهله.
قال ابن حجر:
وقول عليِّ فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوِّي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم. (^٣)
وعند مسلم باب: " بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"،
وقد أسند تحته قول عَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه:
«مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً». (^٤)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه - قَالَ:
حَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ- وِعَاءيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ، لَقُطِعَ هَذَا البُلْعُوْمُ. (^٥)
_________
(^١) متفق عليه.
(^٢) ذكره البخاري معلقًا (١٢٧) ووصله مسندًا القاضي المحدث المهلب بن أبي صفرة التميمي المالكي الأندلسي في " المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح":
أنبانَا عُبَيْدُ الله بن موسي، عَنْ مَعْرُوفٍ بْنُ خَرَّبُوذَ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ الله عز وجل وَرَسُولُهُ ﷺ)
(^٣) فتح الباري (١/ ٣٣٠)
(^٤) صحيح مسلم (١/ ١٠٧)
(^٥) رواه البخاري (١٢٠)
وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم.
وقد كان أبو هريرة -رضي الله عنه- يكني عن بعضه، ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة.
وقال ابن المنير:
جعل بعضهم هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطل، إنما حاصله الانحلال من الدين، وإنما أراد أبو هريرة -رضي الله عنه- بقوله:
قطع، أي: قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الاحكام الشرعية ما وسعه كتمانها.
قال القرطبي:
" قال علماؤنا: وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة -رضي الله عنه- وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن، والنص على أعيان المرتدين، والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم " انتهى.
وانظر كوثَر المَعَاني كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري (٤/ ٧٦) وفتح الباري (١/ ٢١٧) و"الجامع لأحكام القرآن " (٢/ ١٨٦)
Jilid 1 · hlm. cetak 525
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.