الباب الأول: مقدمة في الفرق › الفصل الخامس: أسباب التفرق › المبحث الحادي عشر: اتباع الهوى
والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة: ٢٦]. وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور بإقامته العذر في الخلاف، وإنما أدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق (٤)، لذلك لم يأت في القرآن ذكر الهوى إلا في معرض الذم (٥).
ولقد جاء الأمر صريحا لمحمد ﷺ باتباع الشرع الحنيف، والنهي عن اتباع الهوى فقال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: ١٨].
والشريعة التي جعله عليها تتضمن ما أمر به، وكل حب وذوق ووجد لا تشهد له هذه الشريعة، فهو من أهواء الذين لا يعلمون، فإن العلم بما يحبه الله إنما هو ما أنزله الله على عباده من هداه.
_________
(١) انظر منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/ ١٩).
(٢) «الاعتصام» (ص ٣٥).
(٣) «الاعتصام» (ص ٤٤٧).
(٤) انظر «الموافقات» للشاطبي (٤/ ٥٧٦)، وانظر منه (٤/ ٥٣٦).
(٥) انظر «الاعتصام» (ص ٤٥٠).
Jilid 1 · hlm. cetak 89
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.