العدد ٣٤ › خواطر
في الخيرات والشرور
ترك الأوَّلون من البشر للإخلاف كثيرًا من الخيرات، وخلَّفوا لهم وافرًا من الشرور؛ وقد مرَّ الدهرُ تلوَ الدهرِ، وجاءَت أجيال خلف أجيال، وتلك الشرور ثابتة لم تزحزحها العقول، ولم تمتنع عليها النفوس؛ بل كأنَّ السعيد الفائز من الإخلاف، هو المحتفظ الضنين بذلك التراث، فإذا ما تأملنا في أبديَّة هذه الأسواء وشبهِ إزاليتها، وجب علينا أن لا ننظر إلى محافظة الأجيال على تلك التركة المباركة بنظر التهاون، وأن لا نجعل علَّتها التصادف، بل يجب أن نحني الرأس قليلًا أمام ما هنالك من المجهولات التي اقتضت هذا الأمرَ، عسى أن يُفتحَ لنا بابٌ من أبواب العلم بعد تأدية هذه السجدة سجدة الاعتراف بوفرة أسرار الكون وعظمتها، وليس ما يخفي على أكثر البشر إلاّ من الأسرار. ولقد اختلف كثيرًا نظرُ المفكرين في الموازنة بين الخير والشرّ، ومآل الأقوال كلها إلى ثلاثة: من يرى أن البشرّ أكثر، ومن يرى أن الخير أغلب، ومتوسط يرى أن بين الخير والشر تعادلًا مع رجحان خفيف لجانب الخير. يقول مغلّبو الشر: ألم ترَ أيها الإنسان إلى كثرة الأمراض، ووفرة الأحزان، وشدة العدوان، وغلبة الحرمان، وشيوع الشكوى، وعموم البلوى؟. . . ألم ترى كيف يقلُّ أولو اليسار حتى يستطاعَ عدُّهم، وكيف
Jilid 4 · hlm. cetak 129
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.