القسم الثاني: حديث الإفك › موقف النبي - ﷺ -
كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ، فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا، أَوْ عَجِينَهَا، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ الله - ﷺ - حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ (^١)، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله! والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ " (^٢).
ويظهر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كره أن يصرِّحَ بالأمر، فصرَّحَ به بعضُ أصحابه - ﷺ -، فلمَّا تفطَّنت للأمر نَفَتْ أنَّها رأت فيها ما يسألون عنه أبدًا، وأنَّها لا تعلم فيها إلّا الخُلُوص من العيب كما يعلم الصّائغُ من الذَّهب الأحمر الخُلُوص من العيب.
لم يَشُكَّ النَّبيُّ - ﷺ - ببراءة عائشة قطُّ، وحاشا للنَّبيِّ - ﷺ - من ذلك، وإنَّما تعيَّن عليه استشارة أهل بطانته، والتَّنقيب عن هذه القصَّة؛ لقطع دابر الطُّغيان واجتثاث شُبَه أهل الإفك بإقامة الحجَّة عليهم.
وإلّا فإنَّ براءة عائشة - رضي الله عنها - محقَّقةٌ عنده - ﷺ -، فالنَّبيُّ - ﷺ - أعلم النَّاس بعائشة - رضي الله عنها -، وبجميل أحوالها وارتفاعها عن الدَّنايا، فصحبة عائشة - رضي الله عنها - له آكد مِنْ صحبة غيرها مِنْ نسائه، لكنَّه - ﷺ - لم يكن يحكم لنفسه إلّا بعد نزول الوحي، ولم يكن ليحكم على عائشة - رضي الله عنها - برأي؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ (١٠٥)﴾ [النِّساء]
وليس له - ﷺ - أن يتكلم في أَمْر ليس له به علم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (٣٦)﴾ [الإسراء] فالنَّبيُّ - ﷺ - لا يُثْبِتُ أمرًا، ولا ينفيه إلَّا بعلم كما أُمِر.
_________
(^١) أي حتَّى صرَّحوا لها بالأمر.
(^٢) البخاري "صحيح البخاري" (م ٣/ج ٦/ص ١٢) كتاب التَّفسير.
Jilid 1 · hlm. cetak 71
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.