الباب الثالث في الأحكام والكلام على الإيمان ومتعلقات ذلك › فصل في الكلام على الإيمان واختلاف الناس فيه وتحقيق مذهب السلف في ذلك › الكرام الكاتبين
كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ كَمَا مَرَّ الْبَحْثُ فِيهِ فِي مَحَلِّهِ مُسْتَوْفِيًا، وَقَوْلُهُ: «فَابْحَثُوا» أُتِيَ بِهِ لِتَتِمَّةِ الْبَيْتِ. وَالْبَحْثُ التَّفْتِيشُ، وَالطَّلَبُ، وَالتَّنْقِيبُ، وَالتَّقَصِّي عَنْ دَقَائِقِ الْمَعَانِي، فَكُلُّ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ فِي الْإِيمَانِ فَلَا يَسُوغُ لَهُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْحُدُوثِ وَلَا الْقِدَمِ عَلَى الْإِيمَانِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُدْخِلِ الْأَعْمَالَ فِيهِ كَالْأَشَاعِرَةِ فَيَقُولُونَ الْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقٌ وَهَذَا لَا يَتَمَشَّى مَعَ أُصُولِنَا. قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رضي الله عنه -: مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ كَفَرَ، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ ابْتَدَعَ. فَقِيلَ: بِالْوَقْفِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: أَقْوَالُهُ قَدِيمَةٌ وَأَفْعَالُهُ مَخْلُوقَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِ الْأَصْحَابِ فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَا لَفْظُهُ قَالَ: رُوِيَ عَنْ إِمَامِنَا أَحْمَدَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: قَدِيمٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَإِنَّمَا كَفَرَ مَنْ قَالَ بِخَلْقِهِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى قِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَذِكْرِ اللَّهِ - عز وجل - وَمَنْ قَالَ بِخَلْقِ ذَلِكَ كَفَرَ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَحَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِ ذَلِكَ ابْتَدَعَ. انْتَهَى بِحُرُوفِهِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ
«تَتِمَّةٌ:» أَلْحَقَ عُلَمَاؤُنَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ ذِكْرَ الْمَلَكَيْنِ الْمُوَكَّلَيْنِ بِالْعَبْدِ يَكْتُبَانِ أَفْعَالَهُ، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِمُنَاسَبَةِ ذَلِكَ لِلْأَحْكَامِ وَكَوْنِهِ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِلَّا فَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الْآتِي فِي السَّمْعِيَّاتِ ; لِأَنَّهُ مِنْهَا فَلِهَذَا قَالَ:
«وَوَكَّلَ اللَّهُ مِنَ الْكِرَامِ ... اثْنَيْنِ حَافِظَيْنِ لِلْأَنَامِ»
«فَيَكْتُبَانِ كُلَّ أَفْعَالِ الْوَرَى ... كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا»
«وَوَكَّلَ اللَّهُ» - سبحانه وتعالى - «مِنْ» الْمَلَائِكَةِ «الْكِرَامِ» وَصَفَهُمْ بِالْكَرَمِ لِمَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ - عليهم السلام - ذَوَاتٌ قَائِمَةٌ بِأَنْفُسِهَا قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ؛ بِالْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَتَغَيُّرُ صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنِّ، وَالشَّيَاطِينِ إِلَى اللَّهِ
Jilid 1 · hlm. cetak 446
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.