باب: توحيد القصد والطلب (توحيد الألوهية) › فصل في الحاكمية
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، أَمَرَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ أَنْ يُرَدَّ التَّنَازُعُ فِي ذَلِكَ إِلَى كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَأْمُورَ بِهِ هُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى هَذَا الْمَفْهُومَ مُوَبِّخًا لِلْمُتَحَاكِمِينَ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مُبَيِّنًا أَنَّ الشَّيْطَانَ أَضَلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا عَنِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يؤمنْ أَحَدٌ حَتَّى يَكْفُرَ بِالطَّاغُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ باللَّه هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالْإِيمَانُ بِالطَّاغُوتِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْإِيمَانِ باللَّه؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ باللَّه أَوْ رُكْنٌ مِنْهُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ .] (١) .
- وَقد فصَّل أَيْضا - رحمه الله - القَوْل عِنْد قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا﴾، وبيَّن أَن الحكم لَا يكون إِلَّا لله، وَأخذ يَسُوق الْآيَات الدَّالَّة على ذَلِك، ثمَّ بيَّن أَنَّ مُتَّبِعِي أَحْكَامِ الْمُشَرِّعِينَ غَيْرِ مَا شَرَعَهُ الله أَنهم مشركون بِاللَّه فَقَالَ: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ . قَرَأَ
_________
(١) - ١/٢٩٢، ٢٩٣، النِّسَاء / ٥٩.
Jilid 2 · hlm. cetak 371
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.