المبحث الثالث: مظاهر ودلائل أثر عمل القلب على انتفاع العبد بالقرآن العظيم، وفيه مطالب › المطلب الرابع: التخلق بخلق القرآن.
المطلب الرابع: التخلق بخلق القرآن.
وهذا دليل بيّن على الانتفاع بالقرآن ونزوله في القلب الذي يثمر ثماره المباركة على عبادة المؤمن، وعلى رأسها امتثال القرآن سلوكًا عمليًا في حسن الخلق.
وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله -ﷺ-، فقالت: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ" (^١).
وللأخلاق الحسنة مكانة عظيمة في عبادة المسلم، ولذا اعتنى القرآن العظيم بتربية المسلم على حسن الخلق، ولأنه كتاب مبارك، ومن قرب منه نال من هذه البركة بقدر قربه منه، وهذه البركة مرتبطة بتدبر آياته وفهمها والعمل بها، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وكلما ازداد قرب المسلم من كتاب ربه، وتمكن أثره من قلبه، ظهر ذلك عليه في سلوكه وأخلاقه وتعامله، وإنك لتميز صاحب القرآن المرتبط به، من سمته، وحسن تعامله، وبهاء الإيمان الذي تشرق أنواره على قسمات وجهه، وإن أهل القرآن كما قال -ﷺ-: " إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ " قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ " (^٢).
ومن كان من الله بهذا القرب لابد أن يظهر على سمته وأخلاقه وسائر أحواله أثر هذا القرب في صفاء القلب وطهارته وسلامته، فتحسن أخلاقه وتنبل أفعاله، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه صاحب القرآن، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الله عنه في وصف حامل القرآن: «ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سِكِّيتًا، وَلَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ جَافِيًا، وَلَا غَافِلًا، وَلَا صَخَّابًا، وَلَا صَيَّاحًا، وَلَا حَدِيدًا» (^٣).
_________
(^١) أصله في صحيح مسلم مطولًا (١/ ٥١٢) ح (٧٤٦)، وهذا لفظ الإمام أحمد (٤٢/ ١٨٣) ح (٢٥٣٠٢).
(^٢) أخرجه أحمد (١٩/ ٣٠٥) ح (١٢٢٩٢)، وابن ماجه (١/ ٧٨) ح (٢١٥)، والبزار (١٣/ ٥٢٠) ح (٧٣٦٩)، والحاكم (١/ ٧٤٣) ح (٢٠٤٦)، وحكم الألباني بصحته في تحقيقه لسنن ابن ماجه، وصححه كذلك في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٦٨) ح (١٤٣٢)، وحسن إسناده محقق المسند.
(^٣) حلية الأولياء (١/ ١٣٠).
Jilid 1 · hlm. cetak 65
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.