القسم الأول قواعد التفسير في حالات وضوح الألفاظ وإبهامها ودلالتها على الأحكام › الباب الأول الوضوح والإبهام في الألفاظ › الفصل الثالث التأويل › المبحث الأول تطور معنى التأويل ومجاله › المطلب الأول التأويل في اللغة، وفي عرف السلف ومن بعدهم › ثالثا - التأويل عند العلماء الأولين
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ١٠٠، ٦، ٤٥، ٣٧] (^١).
ولقد يؤيد ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك"، يتأول القرآن" (^٢) تعني أنه يفعل ذلك عملًا بقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣].
ومثل ذلك ما حدّث به الزهري رحمه الله قال: "قلت لعروة: ما بال عائشة رضي الله عنها تتم في السفر - يعني الصلاة - قال: تأولت كما تأول عثمان، أراد بتأويل عثمان ما روي عنه أنه أتمّ بمكة في الحج، وذلك أنه نوى الإقامة بها" (^٣).
حتى من الناحية العملية، كانوا يرون تأويل الكلام حالة كونه أمرًا ونهيًا، هو فعلُ المأمور به نفسه، وتركُ المنهي عنه قال سفيان بن عيينة: (السنّة تأويل الأمر والنهي) (^٤) فكأنه يرى أن التأويل في الأمر والنهي هو بامتثال ما يؤول إليه الطلب فيهما، وهو أن يفعل المؤمن ما أُمِرَ به، وينتهيَ عما نُهِيَ عنه.
ويبدو أن العلماء الأولين: لم يختلفوا في فهمهم للتأويل عن نهج السلف قبلهم، ولنأخذ مثالًا لذلك، صنيع الإمامين: محمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن جرير الطبري، في بعض ما خلفاء لنا من آثار.
فالشافعي - أخذًا من معنى الإرجاع والتصيير - سمّى حمل اللفظ على معنًى من المعاني التي يحتملها: تأويلًا. فالتأويل في هذه الحالة: إرجاع
_________
(^١) انظر: "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١١٩ - ١٢٠).
(^٢) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤)، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي (١٠٤٦، ١١٢٢)، وابن ماجه (٨٨٩) وغيرهم.
(^٣) راجع: "النهاية" لابن الأثير (١/ ٥١).
(^٤) راجع: "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" لابن تيمية (١/ ١٢٠) وما بعدها.
Jilid 1 · hlm. cetak 294
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.