الباب الثاني والعشرون في إثبات حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وذكر الغايات المطلوبة له بذلك، والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها › فصل [النوع الرابع عشر من أدلة إثبات الحكمة في القرآن: إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه] › من أسرار ختم الآيات بالأسماء والصفات
درهمًا لا لغرض ولا لفائدة، بل لمجرّد قدرته ومشيئته على طرحه، فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به، فهذا من شأن الحِكَم والمصالح عند المنكرين.
فصل
النوع الرابع عشر: إخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه، فيذكر هذين الاسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه، تنبيهًا على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارِنة للعلم المحيط التام، كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، فذَكَر العزةَ المتضمنة لكمال القدرة والتصرف، والحكمةَ المتضمنة لكمال الحمد والعلم.
وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، وسمع بعض الأعراب قارئًا يقرؤها: «والله غفور رحيم»، فقال: ليس هذا كلام الله! فقال: أتكذّب بالقرآن؟ فقال: لا، ولكن لا يحسن هذا. فرجع القارئ إلى حفظه، فقال: «عزيز حكيم»، فقال: صدقت (^١).
وإذا تأملت ختْم الآيات بالأسماء والصفات وجدتَ كلامه مختتمًا بذكر الصفة التي تقتضي ذلك، حتى كأنها ذُكِرت دليلًا عليه وموجِبة له، وهذا كقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِر لَّهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، أي فإنّ مغفرتك لهم تصدر عن عزّة هي كمال القدرة، وحكمة هي
_________
(^١) حكاها الواحدي في «البسيط» (٧/ ٣٧٣) عن الأصمعي، وأسندها في «الأغاني» (٢١/ ٣٨٦) عن الأصمعي قال: سمع الفرزدق رجلًا يقرأ ... فذكر القصة بنحوها.
Jilid 2 · hlm. cetak 145
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.