الباب الثالث والعشرون في استيفاء شُبَه النافين للحكمة والتعليل، وذِكْر الأجوبة عنها › فصل [الشبهة الثالثة: جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين] والجواب عنها من وجوه › الجواب السادس
كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في التجارات مثلًا، فاقتضى ذلك أن يجلبوا البضائع إلى مَن يحتاج إليها، فينتفع هؤلاء بالبضائع وهؤلاء بالثمن= كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء.
وإذا تأملت الوجود رأيته قائمًا بذلك شاهدًا به على منكري الحكمة، فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حِكَم ومصالح ومنافع للعباد، لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحِكَم والمصالح.
وإذا جاز هذا جاز أن يقال: إن هذه الوسائط غير معلَّلة، ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول: إن شيئًا من أفعاله غير معلَّل البتّة، وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسّط تلك الأمور، ولا يلزم من انتفاء التعليل في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع؛ فإنه لا يجب أن يكون كل شيء لعلة، فأنت نفيت جواز التعليل.
وغاية هذه الحجة ــ لو صحّت ــ أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء أن يكون لعلة، فلمْ يلتقِ الحكم والدليل، وهذا كما يقول الفقهاء ــ مع قولهم بالتعليل ــ: إن من الأحكام ما هو تعبُّد غير معلَّل، فهلّا قلت في الخلق كقولهم في الأمر، وهذا إنما هو بطريق الإلزام، وإلا فالحق أن جميع أفعاله
Jilid 2 · hlm. cetak 183
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.