الجزء الثاني › النظر التاسع: أن الاجتهاد وشرائطه من قواعد الإسلام
ومِن ذلك قولُ الأعمى (١) الذي قضى عليه عمر الدِّية حين سَقَط هو وقائدُه في حفرة، فوقع فوق قائده فقتله، وسَلِمَ، فلمَّا قَضَى عليه عمر بالدِّيةِ، جعل يطوفُ وهو يقول:
يا أيُّهَا النَّاسُ لَقِيتُ مُنْكَرًَا ... هلْ يَعْقِلُ الأعْمى الصَّحِيح المُبْصِرَا
خَرَّا مَعًا كِلاهُما تَكَسَّرا
فهذه وأمثالُها لم يعتمدوها أدلةً على الأحكام، ولا يتوهَّمُ ذلك أحدٌ مِن أولي الأفهامِ، فإنما هي مُلَحٌ سَمَرِيَّة لا حُجَحٌ نَظَرِيَّة.
فإن كان السَيِّدُ -أيَّدَه الله- إِنما أراد ما أرادُوا مِن الإحْمَاضِ (٢) ولم يَقْصِدْ بذلِكَ الكلامِ النقضَ والاعتراضَ، فكان يجبُ عليه أن لا يُورِدَ ذلك إلا بعدَ إيراد الأدِلَّةِ السَّاطِعَة، أو البراهينِ القاطعة.
فنقول للسيد: هذه حُجَّةٌ غريبةٌ ما عرفناها، فَبَيِّنْ لنا مِن أيِّ أنواعِ
_________
(١) أخرج قصته الدارقطني والبيهقي ٨/ ١١٢ من طريق موسى بن عُلي بن رباح، عن أبيه أن أعمى .... وفيه انقطاع.
(٢) يقال: أحمض القوم: إذا أفاضوا فيما يُؤنِسهم من حديث، وكان ابن عباس يقول إِذا أفاض مَنْ عنده في الحديث بعد القرآن والتفسير: أحمضوا. ضرب ذلك مثلًا لخوضهم في الأحاديث وأخبار العرب إذا ملُّوا تفسير القرآن.
وقال الطِّرماح:
لا يَنِي يُحمِضُ العَدُوَّ وذو الخُلـ ... ـلةِ يُشفي صَدَاهُ بالإحْمَاضِ
Jilid 2 · hlm. cetak 18
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.