الفصل الأول جمع القرآن - مفهومه ومعناه › المبحث الثاني: حفظ الله تعالى لكتابه، وعناية الأمة بجمعه › المطلب الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور › ثالثا: عناية الصحابة -﵃- بحفظ القرآن في صدورهم › أهم دواعي حرص الصحابة﵃- على تعلم القرآن › ثانيا: إجلال النبي الكريم -ﷺ- للقرآن وأهله › ٣ - تقديمه -ﷺ- في اللحد لمن كان أكثر أخذا للقرآن
فقد ثبت في الصحيحين منْ حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّرضي الله عنه-، قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺفَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: «وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟» قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ»، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺمُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». قَالَ: مَعِي
سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: "تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". (^١)
٣ - تقديمه -ﷺ- في اللحد لمن كان أكثر أخذًا للقرآن
كما أنهﷺ- كان يفاضل بين أكثر أصحابه أخذًا للقرآن حال حياته، فإنه كان يفاضل كذلك بينهم بالقرآن حال مماتهم فقد ثبت عند البخاري منْ حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ". (^٢)
ولقد تسابق الصحابةرضي الله عنهم- في تعلم القرآن وتعليمه، وحفظه وترتيله، تاركين خلفهم المتاع الفاني واللذائذ الفائتة الفانية من دفء فراش، ولذيذ نوم،
فقاموا به في هجيع الليل يناجون به ربهم، وحال لسانهم يقول: من أرادة السيادة فليهجر الوسادة، وقد ورد في وصف حالهم قولُ ربِهم: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون) (السجدة: ١٦).
كما مدح ربُهُم قائمَهم بالليل بقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) (الزمر: ٩).
_________
(^١) البخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥).
(^٢) - البخاري- كتاب الجنائز- باب الصلاة على الشهيد، رقم: ١٣٤٣
Jilid 1 · hlm. cetak 130
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.