الفصل الأول جمع القرآن - مفهومه ومعناه › المبحث الثاني: حفظ الله تعالى لكتابه، وعناية الأمة بجمعه › المطلب الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور › ثالثا: عناية الصحابة -﵃- بحفظ القرآن في صدورهم › بيان حرص الصحابة - ﵃على العمل بكل ما أنزل من القرآن
سافرتُ مع ابنِ عباس - رضي الله عنهما - مِن مكةَ إلى المدينةِ، فكان يَقومُ نصفَ الليلِ فيقرأُ القرآنَ حرفًا حرفًا، ثم يَبكي حتى تَسمعَ له نَشيجًا. (^١).
بيان حرص الصحابة - رضي الله عنهمعلى العمل بكل ما أنزل من القرآن
ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرةرضي الله عنه- قال: لما نزلت على رسول الله -ﷺ-: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٨٤)، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ-، فأتوا رسول الله -ﷺ-، ثم بركوا على الرُكب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥)، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل الله عز وجل: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال نعم) رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال نعم) رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال نعم) (البقرة: ٢٨٦). (^٢)
وفيه بيان فضل الصحابة رضي الله عنهم وإذعانهم وانقيادهم وتسليمهم لأمر الله تبارك وتعالى وامتثالهم لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما أمرهم بالتسليم والانقياد، فلما انقادوا للأمر كان من بركة ذلك الانقياد والإذعان مجازاتهم بالتخفيف والثناء عليهم من ربهم بقوله سبحانه في وصف استجابتهم وصبرهم على طاعة ربهم بأن قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنا) فجاءتهم بشارة ربهم بنسخ ما سبق.
_________
(^١) - مختصر قيام الليل للمروزي-باب الترتيل في القراءة حديث رقم (١٧٤) (ص: ١٣١)
(^٢) - أخرجه مسلم حديث (١٢٥)، وتفرد به عن البخاري، وأخرج الترمذي بنحوه في " كتاب التفسير" باب ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٩٢).
Jilid 1 · hlm. cetak 132
Tombol panah: ← halaman berikutnya, → halaman sebelumnya.